تشكل الطبقة المتوسطة في البلدان النامية حول العالم غالباً القوى المحركة للتغييرات الإيجابية، ولكن هذه الفئة الأساسية من السكان لا تتمتع بالفرصة عينها في الشرق الأوسط، إذ أنها تعتمد في هذه المنطقة اعتماداً كبيراً على الحكومات لتوفير الوظائف والخدما،ومع وجود بنى تحتية اجتماعية واقتصادية ضعيفة، فقد ساهم هذا الأمر في منع هذه الطبقة المجتمعية من التقدم بشكل يعزز الاقتصادات الوطنية. وقام خبراء من شركة بوز أند كومباني بتحليل استطلاع آراء ما يقارب ١,٤٥٠ شخصاً من أفراد الطبقة المتوسطة في مصر والمملكة العربية السعودية والمغرب وتحديد كيف يمكن للأوضاع أن تتطور.
ومن المهم بالنسبة إلى مستقبل بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إيجاد طبقة متوسطة نشيطة ومستدامة ورعايتها. فنجاح الطبقة المتوسطة هو في جوهره نجاح للبلد الذي تتواجد فيه، ويؤدي تطورها إلى منافع إضافية للمجموعات الاجتماعية والاقتصادية على غرار المجموعات الفقيرة.
وتختلف الفئة السكانية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عنها في مناطق أخرى من العالم بطريقة واحدة رئيسية، ألا وهي عدم كونها مصدراً رئيسيا لإجمالي الناتج المحلي أو الابتكار.
وتشكل هذه المسائل تحدياً رئيسياً لصانعي السياسات في العالم العربي، إذ يتعين عليهم العمل على توسيع الطبقة المتوسطة، من خلال إصلاحات اجتماعية واقتصادية وسياسية ممكنة للقطاع الخاص.
وبشكل عام، عبر المستطلعون من الطبقة المتوسطة عن عدم رضاهم حيال آفاقهم الاقتصادية الحالية. غير أنهم أبدوا تفاؤلاً عاماً حيال الحالة المستقبلية للاقتصاد. ويعكس هذا الأمر ربما التوقعات من العديد من المبادرات والإصلاحات الحكومية التي سبق الإعلان عنها في تلك البلدان، وقد نتج بعضها من أحداث "الربيع العربي".
ويظهر الاعتماد على وظائف القطاع العام في الإجابات عن المعايير التي قيّمها المستطلعون من الطبقة المتوسطة عند اختيارهم للوظيفة. ويأتي الأمن الوظيفي في المرتبة الأولى من حيث الأهمية، يليه الراتب الجيد. ويعكس واقع ميل المستطلعين إلى تقدير الأمن الوظيفي على المال بهامشين إلى هامش واحد وعدم تقديرهم بالنسبة عينها آفاق الدخول في مشاريع عمل جديدة أو مواصلة لسعي إلى تحقيق الأحلام المهنية شعوراً بعدم اليقين حيال سوق العمل المستقبلية أو – على الأرجح – ميلاً إلى تجنب المخاطرة بالحياة المهنية.
وفي ما يتعلق بتلبية النفقات الأساسية، أشار ما معدله 57 في المئة من المستطلعين إلى أن رواتبهم تغطي هذا النوع من النفقات مع مبالغ قليلة متبقية للأمور الإضافية. وقالت نسبة 13 في المئة أنها تعيش في ظروف مريحة. لكن من نسبة الثلاثين في المئة المتبقية، قال 27 في المئة من المستطلعين إنهم بالكاد قادرون على تغطية نفقاتهم، بينهم أبدى 3 في المئة عجزهم حتى عن تغطية هذه النفقات.
وتتأتى النتائج الأكثر إثارة للقلق من أولئك الذين يعرفون عن أنفسهم على أنهم أصحاب مبادرات، مما يعني أنهم يعملون لحسابهم أو يملكون مؤسسة أعمال. وقال حاتم سمّان مدير الـ "أيدييشن سنتر" (Ideation Center) وهي المؤسسة الفكرية الرائدة في الشرق الأوسط والتابعة لمجموعة خبراء بوز أند كومباني أن "حوالى 25 في المئة أوقفوا أعمالهم أو كان عليهم نقل شركاتهم نتيجة الصعوبات الاقتصادية، في حين عانى 21 في المئة من تراجع دخلهم الفعلي نتيجة التضخم المرتفع. وهناك نسبة تصل إلى الثلث تقريباً تتوقع مواجهة صعوبات مالية مشابهة في المستقبل".
ويبقى تملك منزل رغبة أساسية لدى أفراد الطبقة المتوسطة، إذ أن غالبية المستطلعين (62 في المئة) يمتلكون منزلهم الخاص. غير أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعاني من طلب إسكاني متزايد نتيجة النمو السكاني والتوسع الحضري، حتى مع ظهور قيود على العرض على المنازل الجديدة نتيجة الوصول المحدود إلى رأس المال والنقص في الأراضي المناسبة للبناء. وقد أدّت هذه العناصر إلى ارتفاع أسعار المنازل، مما خلف آثاراً مباشرة على الأسر المتدنية والمتوسطة الدخل.
ويعتقد أكثر من 50 % من المستطلعين أن نظام التعليم في المنطقة لا يوفر الفرص لهم أو لأولادهم لناحية العثور على وظائف، وفي حين بدا السعوديون المنتمون إلى الطبقة المتوسطة راضين بشكل عام عن الفرص التعليمية في المملكة العربية السعودية مع إعراب 72 في المئة عن معدلات رضا مرتفعة و عادية، كانت الطبقات المتوسطة في مصر والمغرب أقل رضا بدرجة كبيرة ، إذ أبدى 18 % من المصريين فقط رضاهم عن الفرص التعليمية التي توفرها الحكومة، بينما كانت النسبة لدى المغاربة ما دون العشرة في المئة.
ورغم إدخال العالم العربي تحسينات كبيرة على أنظمة الرعاية الصحية خلال الأعوام الثلاثين الماضية، فقد أدّت الديناميكيات المتغيرة (المتمثلة بشيخوخة السكان والخيارات الضعيفة لأسلوب الحياة والعادات الغذائية وازدياد انتشار الأمراض المزمنة بما فيها السكري والسرطان) بالحكومات إلى وضعية استلحاق دائمة نظراً إلى ارتفاع الطلب على خدمات الرعاية الصحية.
كما يعتبر نظام الحماية الاجتماعية – الذي يتضمن مخططاً لرواتب التقاعد وتأمين بطالة وشبكات أمان اجتماعي – أساسياً بالنسبة إلى الطبقات المتوسطة حول العالم. غير أن الكثير من سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ما زالوا إما يفتقرون إليه أو أن هذا النظام غير مستدام من الناحية الاقتصادية.
وتسجل الثقة في الحكومة في الشرق الأوسط نسبة متدنية، إذ أن أقل من 30 في المئة من أفراد الطبقة المتوسطة يصنفون الحكومة في مرتبة جيدة على سلم خصائص الثقة الرئيسية، كالكشف عن معلومات ملائمة ودقيقة ومكافحة الفساد والتمتع بنظام قضائي عادل ومنفتح.
في البلدان العربية بشكل عام وفي البلدان التي شملها الاستطلاع بشكل خاص، تحسّنت حقوق المرأة في التعليم وسوق العمل والتعيينات في المناصب الحكومية. غير أن حصول هذه التغييرات كان بطيئاً. فرغم الطبيعة المحافظة للطبقات المتوسطة في المنطقة، مع اعتبار 80 في المئة من المستطلعين أن المسؤوليات الأساسية للمرأة هي في منزلها، فإن نسبة تقارب 80 في المئة أيضاً قالت بأنه يجب أن تحظى النساء بحياة مهنية أو بتقدم مهني "في حال أنهن أردن ذلك". بتعبير آخر، يجب أن يكون للنساء الحق في اختيار مسارهم، لا أن يجبرن على السير فيه.
تتصدر زيارة مراكز التسوق الكبرى وارتياد المطاعم قائمة الأنشطة الاجتماعية. كما يبرز ارتياد المنتزهات الترفيهية كخيار متكرر. غير أن خيارات الترفية التي تروّج للمعلومات والتعليم لا تظهر بقوة في سجل الأنشطة الترفيهية للطبقات المتوسطة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وتريد الطبقة المتوسطة بشكل أساسي أن تعيش في بلد آمن ومأمون يتمتع باقتصاد قوي ومتطور وباستقرار. إلى ذلك، يحلم أفراد هذه الطبقة بتوفر فرص تعليمية ممتازة (لهم ولأولادهم) وبعيش حياة سعيدة مع عائلاتهم.