على مدى أكثر من عقد من الزمان، أثرت المناهج الرقمية الحديثة والمبتكرة في حياة الإنسان، كما وصلت ظاهرة الرقمنة إلى نقطة فارقة في تطورها، مما يجعلنا نقف الآن على أعتاب حقبة أكثر تسارعًا من التغيير الجذري. وتدرس شركة بوز أند كومباني في هذا البحث إمكانية تحديد القوى الدافعة التي تقود هذا التحول، وتبحث في الاستراتيجيات التي تساهم في التخفيف من وطأة الآثار المتحملة.
أصبح المستهلكون متكيفين تمامًا مع البيئة الرقمية، فهم يتوقعون توفر الاتصال بالإنترنت في كل لحظة من لحظات حياتهم عبر كل جهاز تقريبًا. فضلاً عن ذلك، إن إصرارهم على حقهم في الاتصال المستمر بالإنترنت يحول مسار حياتهم الشخصية، كما أن مدى استعدادهم لتقاسم جميع المعلومات يغير من الآراء التقليدية حول مفهوم الخصوصية، حيث تتحول ثقتهم من العلامات التجارية ذائعة الصيت إلى العلامات التجارية التي يوصي بها أصدقائهم المقربين.
الهيكل الأساسي للبنية التحتية للعالم الرقمي آخذٌ في الاتساع ليغمر كل ركن من أركان المعمورة، مُقدمًا خدمات النطاق العريض السلكية واللاسلكية بأسعار زهيدة لمليارات المستهلكين في أسواق البلدان النامية والمتقدمة على حدٍ سواء. فمع التزايد السريع للطلب على محركات تحليلية آنية ومتطورة لتمكين الشركات من جمع المعلومات ”في صورتها الأولية “ والاستفادة منها، تعمل الشركات في جميع أقطار العالم على الاستجابة لذلك من خلال تطبيق تقنيات حديثة على غرار أجهزة التحليل داخل الذاكرة لتلبية تلك الحاجة.
تكمن القوة الثالثة التي تقود ظاهرة الرقمنة في إدراك المسؤولين التنفيذيين في كل قطاع من قطاعات الأعمال أن إمكانية تحقيق مزايا اقتصادية هو أمر واقعي وممكن، وبالرغم من أنه من المبكر تحديد تلك المزايا، فقد تم ضخ الكثير من رؤوس الأموال في شركات وتقنيات الرقمنة الحديثة، وشرعت الشركات الرائدة في جني الثمار في الأسواق العامة من خلال حصدها لتقييمات مالية تعيد إلى الذاكرة مشهد السنوات التي سبقت طفرة الإنترنت.
وسيستفيد كل قطاع من قطاعات الأعمال من الرؤى المتعلقة بإمكانية الحصول على المعلومات بصورة فورية وبدقة عالية مع القدرة على التواصل مع العملاء بشكل أكثر فعالية، حيث يتم الآن بشكل روتيني الحصول على المعلومات المتعلقة بعادات التسوق، والمواقع الجغرافية، والشؤون المالية، والأنشطة الاجتماعية، وتاريخ محاولات البحث السابقة، وتداول الأوراق المالية، والسفر، وتاريخ الحالات الطبية، والحالات القضائية، إلى جانب أمور أخرى عديدة، والعمل على معالجتها وتخزينها في مركز أو أكثر من بين 7,5 مليون مركز بيانات موزعة في جميع أنحاء العالم.
وستزداد القدرة الإنتاجية للعمالة نتيجة لارتفاع مستوى الإدارة الموجهة للقوى العاملة، وكذلك التوسع المكثف في أتمتة إجراءات العمل، فقد تطورت مستويات التصنيع بالفعل في العديد من قطاعات الأعمال. علاوة على ذلك، ستتحسن القدرة الإنتاجية للأصول المادية بشكل جذري باستخدام البنية التحتية الذكية، وربط المنتجات المادية بالعالم الرقمي بالاستعانة بالأجهزة اللاسلكية المدمجة، وتعزيز قرارات الاستثمار من خلال إجراء تحليلات أعمق لتزايد كميات البيانات المتبادلة.
بفضل المكاسب المحققة على مستوى كل من القدرة الإنتاجية ورؤى الأعمال، ستشهد القيم الحالية ثلاثة أنواع أساسية من التحولات على النحو التالي:
• ستحدث معظم التحولات في قطاعات الأعمال بفضل التغيرات الحاصلة في حصص السوق أو هياكل القطاعات، مما سيميز بوضوح بين الرابحين والخاسرين في السباق الرقمي، ويؤدي إلى الاستحواذ على الشركات الخاسرة أو دمجها.
• سيستفيد المستهلكون استفادةً كبيرة، ليس بسبب خفض الأسعار وتزايد جاذبية العروض فحسب، بل لاتساع نطاق الخيارات وسبل الراحة، كما سيحظون بحياة أطول بفضل التطورات التي تشهدها تقنيات الصحة الإلكترونية وغيرها من التقنيات ذات الصلة.
• ستخلق الرقمنة المرحلة المقبلة من نمو الاستثمارات الرأسمالية، والتي ستتدفق إلى جميع أنواع الشركات، متضمنة شركات التوريد، سواء كانت شركات الأجهزة والبرمجيات فائقة التقنية، أو شركات بناء ذات مستوى منخفض من التقنية، أو شركات للخدمات المهنية، أو شركات جديدة طموحة ومنافسة.
إن رقمنة أي شركة لها ثمن باهظ، وكلما زاد حجم أعمال الشركة، كلما زادت احتمالية تسبب عملية الرقمنة في إحداث اضطرابات.
ستختلف سرعة عملية الرقمنة من سوق إلى آخر بطبيعة الحال، كما سيختلف منهج تطبيقها من قطاع إلى آخر داخل كل سوق من الأسواق، ولذا، يتعين على المسؤولين التنفيذيين تقييم مدى استجابتهم وفقًا لقطاعات أعمالهم والأسواق العاملين بها ومكانتهم التنافسية الحالية في تلك الأسواق.
يُعزى الزخم نحو عملية الرقمنة بشكل كبير إلى الجيل الجديد من المستخدمين النهائيين، سواء كانوا مستهلكين أو مستخدمين تجاريين، الذين يطالبون بالتمتع بمزاياها التي تشمل مواقع التواصل الاجتماعي الآخذة في الاتساع، وتوفر الإنترنت في كل مكان، وإمكانية الوصول الدائم إلى الأخبار والترفيه والمعلومات. وفي الوقت ذاته، وعلى النقيض من ذلك، تظل المخاوف الاجتماعية والثقافية قائمة، حيث تتزايد المخاوف المتمثلة في فقدان الخصوصية واحتمالية إساءة استخدام الحكومات لمجموعة التقنيات المتوفرة مع تزايد بناء العالم الرقمي.
توجد بالفعل بنية تحتية قوية نسبيًا لمساندة عملية الرقمنة، ولكن يصعب توفير الاستثمارات المطلوبة لتحقيقها بالكامل، سواءً بالنسبة للبنية التحتية الإضافية اللازمة، أو الخدمات والتطبيقات التي ستُبنى على أساسها. وقد يؤدي تضارب المصالح الاقتصادية إلى إبطاء حركة الاستثمارات الإضافية اللازم ضخها في البنية التحتية، فضلاً عن أن الأعطال الجسيمة وحوادث سرقة البيانات الشخصية والمؤسسية المهمة التي حدثت مؤخرًا تطرح تساؤلات حول مخاطر الثقة المفرطة في البيئة الرقمية المعقدة.
كما توفر الحكومات والمؤسسات بالفعل مساندةً كبيرةً لعملية الرقمنة، بما يتضمن الأنظمة المعنية بالمعلومات الصحية ومسائل الخصوصية، والقوانين المعنية بمخاطر المساءلة من حيث صلتها بالمعلومات والربط الشبكي، وذلك يسري في بعض الاختصاصات القضائية على الأقل. كما ساهمت العديد من الحكومات في تعزيز الاتساق في وضع المعايير التقنيّة وتطبيقها، وساهمت بشكل كبير في التوزيع العادل للطيف الترددي في معظم الأحيان.
ثمة عدد من الاتجاهات السائدة في مجال التقنية تعمل متآزرة على تعزيز الموجة المقبلة من التحول إلى الرقمنة. فمع الانخفاض المطرد في تكاليف جميع أنواع أجهزة الحاسب الآلي والاتصالات، لا تزال عملية إنشاء الشبكات فائقة السرعة للاتصالات الجوالة والثابتة تسير على قدم وساق في جميع أرجاء العالم. وبالرغم من ظهور بعض العوائق بين الحين والآخر، يتنامى عدد مستخدمي الخدمات الحاسوبية عبر الإنترنت (cloud services)، وهي الخطوة التي من شأنها أيضًا تسريع وتيرة إنشاء وتبني التطبيقات والعمليات سهلة الاستخدام.