تسجل

"هل تسترد الظروف الاقتصادية حالتها الطبيعية حقاً؟"


يوشك التضخم العالمي على الارتفاع نظراً لارتفاع أسعار السلع الأساسية حول العالم، والتخفيضات التنافسية (التضخم المستورد)، وزيادة أسعار العقارات – بدرجة أقل.
وبلا شك، يتجلى الدافع الرئيسي للتضخم في الارتفاع العالمي لأسعار السلع الرئيسية منذ بداية الصيف (أكثر من 2.3% في سبتمبر بالمقارنة مع سبتمبر 2015). وارتفعت أسعار النفط، التي تلعب دوراً أساسياً في حساب التضخم، بنحو55% منذ أدنى مستوياتها في يناير الماضي. ومن المتوقع استمرار هذه الزيادة خلال الأشهر المقبلة نتيجة لتراجع الاستثمارات في قطاع النفط في السنوات الأخيرة مما سيلقي بثقله في النهاية على قدرة الإنتاج وإمكانية اتفاق أوبك بشأن مستويات الإنتاج. ويمكن لنجاح أول عملية بيع للسندات الدولية في المملكة العربية السعودية قبل أسبوعين (جمعت الدولة 17.5 مليار دولار أمريكي) أن يدفع المملكة نحو التعاون للحد من إمكانية تضخم السوق لأنها وجدت وسيلة جديدة (رخيصة) لإدخال المال في النظام. وتحقق هذا الأمر سيفتح الباب أمام اتفاق نفطي مستدام يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم.

 وفي منطقة اليورو، سيؤدي ارتفاع أسعار النفط حتماً إلى زيادة في مؤشر أسعار المستهلكين المتجانس (HICP). ومن الناحية التاريخية، ندرك حجم التأثير الكبير لتغير أسعار النفط بين عام وآخر على التضخم في هذه المنطقة. وإذا ارتبط التضخم بأسعار النفط، الأمر الذي لا يبدو واضحاً في هذه الحالة، يمكن أن يزداد التضخم بنحو 2.3% العام القادم في حال بقيت أسعار النفط على مستوياتها عند 60 دولار أمريكي للبرميل. وفيما يبدو من الآمن القول بأننا لن نصل إلى تلك المرحلة، فإن توجهات التضخم واضحة جداً. وحتى إذا انخفضت أسعار النفط إلى 40 دولار أمريكي للبرميل، فإن التضخم على وشك الارتفاع بشكل كبير العام القادم.


وتطلق الصين مؤشرات إيجابية جداً بخصوص التضخم، حيث عاد مؤشر أسعار المنتجين للتحول مجدداً في الآونة الأخيرة إلى المنطقة الإيجابية (+0.1% في سبتمبر). وإذا استمر هذا التوجه في أكتوبر (سيتم نشر بيانات مؤشر أسعار المنتجين في 9 نوفمبر)، فإن ذلك سيشير إلى نجاح الصين أخيراً في تجاوز الانكماش. وانطلاقاً من اعتبارها أكبر مصدّر عالمي للانكماش، ستتحول الصين – بين ليلة وضحاها تقريباً – إلى مصدّر للتضخم، مما سيحدث انعكاسات عالمية رئيسية بشأن ديناميكيات التضخم.

ونتيجة لارتفاع أسعار السلع الأساسية وانخفاض قيمة العملة في العديد من الدول، يأتي معدل التضخم أعلى مما كان متوقعاً في الأسابيع الأخيرة. وفي نيوزيلندا، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين 0.2 بالمائة في الربع الثالث بالمقارنة مع العام السابق (مقارنة بـ 0.1% وفقاً للإجماع)، مما عزز مؤقتاً من زوج العملات دولار نيوزيلندي/دولار أمريكي في السوق. وفي المملكة المتحدة، بلغ مؤشر أسعار المستهلكين 1% في سبتمبر من 0.6% في أغسطس نظراً لانخفاض قيمة الجنيه الاسترليني، مما رفع تكاليف واردات المصنّعين المحليين. ونعتقد بأن مخاوف السوق بشأن ضغوط التضخم مبالغ فيها بشكل كبير في الوقت الراهن. ويبدو واضحاً أن الحكومة البريطانية مرتاحة جداً لانخفاض سعر صرف الجنيه الاسترليني لأنه يساعد الصادرات، ويقدم الدعم لسوق الأسهم ويمنح ميزة تنافسية للمنتجين المحليين على حساب المنتجين الأجانب. ولا ينبغي على انخفاض سعر صرف الجنيه الاسترليني دفع بنك إنجلترا إلى تقليص مزيد من التدابير التيسيرية. وبالتالي، نحن ما زلنا نعتقد بوجود فرصة سانحة لإجراء تخفيض آخر لأسعار الفائدة في نوفمبر، مما سيزيد من انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني وزيادة أسعار الواردات نتيجة لذلك. 

وعلاوة على ذلك، تعتبر زيادة أسعار العقارات في أوروبا أيضاً من عوامل ارتفاع معدلات التضخم الرئيسي. وفي إسبانيا، ما زالت أسعار العقارات أدنى بـ 30% مقارنة بمستوياتها قبل الأزمة، وفي دول أساسية، واصلت الأسعار ارتفاعها لتأخذ منحى حاداً في بعض الحالات. وفي ألمانيا، ارتفعت الأسعار بنسبة 30%؛ وفي الدول الاسكندنافية، ارتفعت الأسعار بشكل كبير بنسبة تخطت 57% في النرويج وأكثر من 70% في السويد.

وسيحدث ارتفاع التضخم الرئيسي أثراً سلبياً من حيث النمو الاقتصادي، ولكنه سيجلب شيئاً من الراحة للوكلاء الاقتصاديين (في القطاعين العام والخاص) ممن أثقلتهم الديون ويواجهون الآن ارتفاع تكاليف رأس المال. وتعتبر معدلات أسعار الفائدة الأمريكية طويلة الأجل بمثابة وكيل في السوق، وقد شهدت تقديراً صافياً منذ يوليو الماضي. وخلال هذه الفترة، ارتفعت عائدات السندات الأمريكية المستحقة بعد 10 سنوات بنحو 37 نقطة أساس، وارتفعت عائدات السندات الأمريكية المستحقة بعد 20 عاماً بنحو 20 نقطة أساس، فيما ارتفعت عائدات السندات الأمريكية المستحقة بعد 30 عاماً بنحو 38 نقطة أساس. وتشير الزيادة إلى أن الأسعار وصلت إلى حدها الأدنى، وأنها تعود مجدداً إلى مستويات أقرب ما تكون إلى الحالة الطبيعية. ولا يشكل هذا حالياً أي مصدر للقلق طالما بقيت معدلات أسعار الفائدة الأمريكية، من حيث القيمة الحقيقية، عند مستويات جذابة للغاية (ومنخفضة).