
في الإمارات العربية المتحدة، يُصاب الرجال بأمراض الشريان التاجي المبكر قبل نظرائهم في الدول الغربية بما بين عشر وخمس عشرة سنة، فيما تتسبب أمراض القلب والأوعية الدموية بنحو 40% من الوفيات في الدولة. والمفارقة أن الرجال الذين تنطبق عليهم هذه الأرقام هم غالباً من الفئة التي تمتلك كل الموارد الكفيلة بتجنّبها قبل سنوات من حدوثها… لكن معظمهم لا يفعل. ليس بسبب نقص المعلومات، بل لأن صحة الرجال تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى نسخة سريعة ومختصرة من العافية؛ ساعات ذكية، مكملات، فحوصات سريعة، وبروتوكولات تُباع على شكل أسلوب حياة. أما النقاش الحقيقي، فهو أكثر تعقيداً وأكثر جدية من ذلك بكثير.
ولفهم هذا التحوّل بشكل أعمق، جلسنا مع ثلاث جهات متخصصة في دبي تعمل كلٌّ منها على جزء مختلف من معادلة صحة الرجل وطول العمر: التشخيص المبكر، الطب التجديدي، والبيئة التي يعيش فيها الإنسان يومياً.
بالنسبة لأحمد البركوكّي، الرئيس التنفيذي لشركة Echelon Health، تبدأ القصة من نقطة يعتبرها معظم الرجال متأخرة جداً: معرفة ما يحدث فعلاً داخل الجسد.
يوضح البركوكّي:"معظم الرجال فوق سن الأربعين أجروا فحصاً لتركيبة الجسم، أو راقبوا مؤشرات التوتر عبر الساعات الذكية، أو اهتموا بالبشرة والشعر. لكن ما لم يفعله معظمهم هو الخضوع لتقييم طبي شامل وحقيقي. وهذا هو النوع من الفحوصات الذي يحدد ما إذا كنت ستبلغ السبعين بصحة جيدة… أم ستنتهي في جناح أمراض القلب."
ويرى أن كثيراً مما يُسوَّق على أنه “فحص صحي متكامل” يمنح شعوراً زائفاً بالاطمئنان، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في أن أخطر الأمراض المرتبطة بالرجال — من أمراض القلب إلى السرطان وأمراض الجهاز الدوري — قد تبقى صامتة لسنوات قبل أن تظهر أعراضها.
لهذا السبب يعتمد برنامج Platinum Plus Assessment لدى Echelon Health على تقييم سريري متكامل يمتد لنحو خمس ساعات، يجمع بين تقنيات تصوير متقدمة وتحاليل دم شاملة تضم أكثر من أربعين مؤشراً حيوياً، من بينها مؤشرات الأورام، والهيموغلوبين السكري، ووظائف الكبد والكلى، وصحة القلب، ومستويات الكوليسترول.
ويتابع:"في المملكة المتحدة، منحنا كثيراً من أعضائنا راحة البال عندما أكدنا أنهم يتمتعون بصحة جيدة، لكننا اكتشفنا لدى آخرين أمراضاً رغم أنهم دخلوا إلينا وهم يشعرون بأنهم بخير تماماً. سرطانات في مراحلها الأولى. أمراض قلب لدى عدّائي ماراثون. وتمددات شريانية لم يكن أحد يعلم بوجودها." ثم يختصر الفكرة كلها بجملة واحدة:"من دون تقييم صحي صارم وشامل، تصبح كل أحاديث طول العمر مجرد قشرة تجميلية."
أما مارك بويس، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ Sigma Clinic، فيبدأ من المرحلة التالية: ماذا يفعل الرجل عندما يعرف بياناته الصحية فعلاً؟ تقود Sigma أول عيادة في المنطقة صُممت حصرياً للرجال، حيث تجتمع التشخيصات الطبية والعلاجات الهرمونية والببتيدات وبرامج التعافي ضمن ملف صحي موحّد وتحت إشراف سريري متكامل.
ويتحدث بويس بصراحة عن موجة الببتيدات التي تجتاح عالم صحة الرجال اليوم:"الببتيدات هي صيحة المرحلة الحالية. يدخل الرجال إلى العيادة وهم يطلبون مركبات سمعوا عنها في بودكاست أو على مواقع التواصل. بعض هذه العلاجات مفيد فعلاً عندما يُستخدم بالشكل الصحيح، وبعضها لا يناسب الحالة الموجودة أمامك أساساً. مهمة الطبيب أن يعرف الفرق، وأن يبني قراره على التحاليل… لا على ما هو رائج."
حتى التستوستيرون، الذي أصبح جزءاً أساسياً من نقاشات صحة الرجال، لا يراه بويس بهذه البساطة. فبحسب قوله، يعاني كثير من الرجال من مستويات أقل من المثالية، لكن ذلك لا يعني دائماً وجود نقص سريري حقيقي، إذ يمكن للنوم، والرياضة، والوزن، والتوتر، واستهلاك الكحول أن تغيّر المؤشرات بشكل جذري قبل الوصول إلى مرحلة العلاج.
ويضيف: "عندما يصبح العلاج ضرورياً فعلاً، يجب أن يكون مدروساً وخاضعاً للمتابعة الدقيقة. الهدف ليس الوصول إلى رقم أعلى في التحاليل، بل تحسين ما تقوله البيانات عن صحة الرجل فعلياً." ثم يتوقف عند الفكرة الأهم بالنسبة له:
"الببتيدات ليست هي البروتوكول… البيانات هي البروتوكول."
لكن حتى أفضل الفحوصات وأكثر البروتوكولات تطوراً قد تفشل إذا عاد الرجل يومياً إلى بيئة لا تساعده على الاستمرار. وهنا يأتي دور مايك لي، المدير التنفيذي والشريك المؤسس لـ LIFTD Design، الذي يرى أن الصحة الحقيقية لا تُبنى داخل العيادات فقط، بل داخل المساحات التي يعيش فيها الإنسان كل يوم. الغرفة التي يستيقظ فيها. المكان الذي يتمرن فيه.
المساحة التي ينام ويستعيد عافيته فيها. كلها تفاصيل قادرة على تحويل أي برنامج صحي إلى أسلوب حياة حقيقي… أو إلى فكرة لا تستمر طويلاً.
ومن زاوية مختلفة، ينظر مايك لي إلى المنزل باعتباره جزءاً أساسياً من المعادلة الصحية:"يمكنك أن تمتلك أفضل الفحوصات الصحية وأفضل البروتوكولات العلاجية، لكن الصحة لا تعيش داخل العيادة. إذا كانت غرفة النوم مهيأة للتحفيز لا للنوم، فسيكون التعافي ضعيفاً. وإذا كانت مساحة التمرين غير مريحة أو منفصلة عن الحياة اليومية، فلن يستخدمها الرجل أساساً."
بالنسبة له، تصميم المنزل لا يتعلق بالشكل فقط، بل بالسلوك الإنساني نفسه. فكل مساحة داخل المنزل إما أن تجعل العناية بالصحة أسهل… أو تجعلها أصعب من دون أن يلاحظ الإنسان ذلك.
ويشدد على نقطة يعتبرها جوهرية:"الصحة هي أثمن ثروة يملكها الرجل، ومع ذلك، يكاد لا أحد يصمم منزله على أساسها. الناس يبنون منازلهم حول الصورة التي يريدون إظهارها للآخرين، لا حول الطريقة التي يريدون أن يعيشوا بها فعلياً."
في النهاية، ورغم اختلاف التخصصات، تتفق الجهات الثلاث على فكرة واحدة: اكتشف ما يحدث داخل جسدك مبكراً، تعامل مع ما تقوله البيانات بجدية، وابنِ بيئة تجعل هذا الالتزام قابلاً للاستمرار.